Tuesday, September 9, 2014

نظام الخلافة في الفكر الإسلامي

الفصل الرابع

خلافة عثمان بن عفان 35هـ- 655م

 تمهيد.
 كيف تم استخلاف عثمان - رضي الله عنه -.
 الأدلة على صحة العقد.
 الطعن في إمامة عثمان.
 رد أهل السنة.
 مقارنة بين موقف أهل السنة والشيعة.
 عثمان ونظرية خلع الإمام.


خلافة عثمان بن عفان 35هـ- 655م

تمهيد:
أجمع المسلمون الأوائل - كما قلنا - على الانقياد لأبي بكر وعمر، واستطاع متكلمو أهل السنة إثبات صحة إمامتهما، وانعقد الإجماع على إمامتهما. بيد أن كل منهما تولى الخلافة بطريقة مغايرة للآخر. فبينما تم اختيار الصاحب الأول بطريقة الانتخاب. تولاها الخليفة الثاني بواسطة العهد.

والآن، سنبحث خلافة عثمان بن عفان: كيف لجأ عمر بن الخطاب إلى طريقتي الانتخاب والتعيين معًا، ثم ما قام به أهل السنة من إثبات صحة العقد للخليفة الثالث.

وسنحاول بصفة خاصة توضيح الأخطاء التي طعن بها الخوارج والشيعة في إمامته ورد مفكري أهل السنة عليها.

كيف تم استخلاف عثمان - رضي الله عنه -:
عندما طعن عمر بن الخطاب، هرع إليه بعض الصحابة يطلبون منه أن يستخلف، ولكنه أبى بادئ الأمر بقوله: فإن أستخلف فقد استخلف من هو خير مني - يعني أبا بكر - وإن أترك فقد ترك من هو خير مني - يعني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولن يضيع الله دينه).

لكنهم أعادوا عليه الكرة، ففوض الأمر إلى الستة الذي مات رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو عنهم راض: علي بن أبي طالب وعثمان بن عفان، وسعد بن أبي وقاص وعبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوام وطلحة بن عبيد الله وعبد الله بن عمر، على ألا يكون له من الأمر شيء. وأوصى بأن تكون الخلافة للذي يقع عليه الاختيار من الفريق الذي في صفه ابنه عبدالله في حالة تساوي الأصوات، واضغا لهم أسس الشورى والخطوات التي ينبغي عليهم اتباعها، ثم أوصاهم قائلًا: (فإذا وليتم واليًا فأحسنوا مؤازرته وأعينوه)[1].

وبعد وفاة عمر، اجتمع هؤلاء الرهط فخلغ عبد الرحمن نفسه، فابتعد عن منافسة الباقين وخضع لمشيئتهم إذا أرادوا تفويض الاختيار له، فقبلوا أن يفعل ذلك.

واستشار عبد الرحمن بن عوف كل من كان حاضرًا من وجوه المهاجرين والأنصار وأمراء الأجناد الذين حضروا الحج مع عمر قبل وفاته. ثم اجتمع بالرهط الذين عينهم عمر واحدًا فواحد، وبعد مشاورات ومجادلات بينهم انحصر الاختيار في نهاية المطاف بين عثمان وعلي. قال عبد الرحمن موجهًا الكلام إلى علي بعد استقرار الرأي على عثمان:
(أما بعد يا علي إني قد نظرت في أمر الناس فلم أرهم يعدلون بعثمان، فلا تجعلن على نفسك سبيلًا)[2].

هذا ما يذكره لنا البخاري، ويلاحظ أنه خص عليًا وحده بالكلام مما يدل على أنه كان يفاضل بينه وبين عثمان لانحصار الأمر بين الاثنين وحدهما في النهاية دون الباقين.

وهذا ما يذكره البخاري أيضًا بسند المسور بن مخرمة إذ يقول: (ثم دعاني - يقصد عبدالرحمن بن عوف - فقال ادع لي عليًا فدعوته فناجاه ثم قام على من عنده وهو على طمع، وقد كان عبدالرحمن يخشى من علي شيئًا)[3].

وأهم ما يسترعي انتباه الباحث في تفاصيل هذه الأحداث، أن عثمانًا قبل التقيد بمنهج سلفيه - أبي بكر وعمر - فضلًا عن كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - بطبيعة الحال. أما علي فقد تحفظ، إذ سأله عبدالرحمن (عليك عهد الله وميثاقه لتعملن بكتاب الله وسنة رسوله وسيرة الخليفتين من بعده) فكانت إجابته (أرجو أن أفعل بمبلغ علمي وطاقتي)، أما عثمان فقد أجاب بالإيجاب على الفور دون تعليقه على العلم ومدى الطاقة كما فعل علي.

وكان هذا الاختيار - أي لعثمان دون علي - موضع اهتمام أهل السنة أنفسهم قبل الشيعة. فقد تساءل أبو وائل - كما ذكر الإمام أحمد بن حنبل في مسنده - حيث سأل عبدالرحمن بن عوف عن السبب الذي من أجله بايع الصحابة عثمانًا دون على، فأجاب (ما ذنبي؟ فقد بدأت بعلي. فقلت: أبايعك على كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - وسيرة أبي بكر وعمر، فقال: فيما استطعت، ثم عرضت ذلك على عثمان فقال: نعم)[4].

كما تلقف الشيعة أمثال هذه التفاصيل فيما روي عن الواقعة للقذف في حق عثمان على نطاق واسع تحقيقًا للغرض الذي يرمون إليه في التدليل على إفساد العقد الذي تولاه عبدالرحمن بن عوف لعثمان، وهو ما يحتاج إلى عرضه بشيء من التفصيل.

الأدلة على صحة العقد:
عرض القاضي الباقلاني لما أثاره الشيعة ففنده ورد عليه في النقاط الآتية:
1- إن الصحابة تشاوروا ليالي وأيامًا ونظروا في أمرهم ورضوا بعبدالرحمن أمينًا ومشيرًا في هذا الباب، وعبدالرحمن في فضله ونبله وسابقته وعلمه معروف وهى فضائل يصلح من أجلها لعقد هذا الأمر، بل هو من جلة أهل الحل والعقد ويجب أن يطرح ما روي عنه من صفات تخالف ذلك جانبًا لعدم ثبوت صحتها[5].

2- روي عن الشيعة أن عليًا سأل عبدالرحمن (أغدر هذا يا عبدالرحمن؟) وأنه بايع عثمان في تقية من الباقين. وكلها روايات غير ظاهرة الصحة؛ لأن الصحيح في هذا ما روي أن عليًا قال لعبدالرحمن بن عوف بعد أن عرض عليه البيعة على الشرط الذي وضعه فأباه علي والتزمه عثمان، قال له علي: (بايع أخاك فقد أعطي الرضا من نفسه واستخر بالله وأصفق على يده)[6].

3- لا يعقل أن يعبر علي عما يكنه نحو عثمان بهذا القول ثم يطلق الشيعة على لسانه قولًا آخر نصه: (نشدتكم بالله هل فيكم من فيه النبي - صلى الله عليه وسلم - من كنت مولاه فعلي مولاه. غير؟) لأن الثابت صحته عنه أنه نفى عن نفسه تهمة قتل عثمان بشدة ولعن قتلته، وقبل أن يحلف لبني أمية عند الحجر الأسود أنه لم يقتله إذا طلبوا منه أداء هذا القسم فإذا كان قد علم بالنص على إمامته من النبي - صلى الله عليه وسلم - الوجب أن يكون عالمًا بأن عثمان باغ مستحق القتل وتم يجز أن يلعن قتلته، وإذا كان باغيًا مستحقًا للقتل)[7].

4- يطعن الشيعة في قبول عثمان الحكم بكتاب الله وسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم - وسنة الشيخين من بعده؛ لأن التقليد من العالم لغيره حرام، بينما رفض علي هذا التقليد بقوله: أليس مثلى من استظهر عليه ولكن أجتهد رأيي)[8]. ويحلل الباقلاني ذلك باحتمالات ثلاثة أولها: إذا كان التقليد حرامًا فإن الصحابة أعلم بذلك وأتقى لله من أن تفعل الحرام وتجيزه. وإذا كان على قد امتنع عن التقليد بالشرط الذي وضعه عبد الرحمن لقال قولًا آخر غير الذي فعل، مثل: (هذا حرام في الدين لا يحل فعله)[9].

والاحتمال الثاني: إن صحت الرواية. قد يكون قصد عبد الرحمن تقليد الشيخين في السير بالعدل والإنصاف دون التقليد في الأحكام. لأن سيرة أبي بكر وعمر ترك التقليد، ومما يؤكد هذا أن أحكام أبي بكر وعمر في كثير من الفقهيات مختلفة، فقبل عثمان لما فهمه من هذا القصد.

أما الاحتمال الثالث: فهو أن عبد الرحمن لم يشك أيضًا في أن عليًا سيسلك طريق الخليفتين في عديهما وإنصافهما وإنما قال ذلك ليقرره ويؤكده وليقع الرضا من الجماعة ويستميل قلوب السامعين. وقدر علي أنه دعاه إلى التقليد في الأحكام، بينما يعلم أن عمرًا لم يقلد أبابكر في مسائل الحرام والحلال، فلم يقبل أن يدعوه عبد الرحمن إلى التقليد وترك الاجتهاد فامتنع عن قبول الشرط.

والحكم بالتقليد جائز عند الفقهاء، فهي مسالة اجتهاد، فلعل عثمان وعبدالرحمن كانا يريان جواز التقليد ولا يرى على ذلك. وعلى هذا (يكون عبد الرحمن مصيبًا في اشتراطه وتقريره وتأكيد الأمر، ويكون على مصيبًا في الامتناع منه ويكون عثمان مصيبًا أيضًا في قبول الاشتراط)[10].

5- ويدعي الشيعة قولًا لعبد الرحمن (ما علمت، وإذا شئتم، أخذت سيفي على عاتقي وأخذتم أسيافكم وقتلنا هذا الطاغية وأزلناه عن الأمر)[11]. حيث أنكر على عثمان ونقم كثيرًا من أفعاله وهذا القول أيضًا من الروايات المختلفة لأن ما ثبت عنه أنه رضى به واختاره حيث قال: (إني رأيت الناس لا يعدلون بعثمان أحدًا فوليته)[12].

وحتى لو صح القول الأول لما انخلع عثمان، لأن الإمامة إذا ثبتت بعقد صحيح لم ينخلع الإمام بالقذف فيه أو التأويل عليه وإنما ينخلع بالجلي المعلوم من الأحداث الثابتة الظاهرة، والذي ينبغي عمله هو النظر فيما أنكره عبدالرحمن وما نقمه القوم عليه، فإن كان مما يوجب خلع الولاية وسقوط الطاعة صرنا إليه وطالبناه بموجبه، وإن كان خطأ في التأويل وقذفًا بالباطل أضربنا عنه ولم نحفل به[13].

6- إذا لم تقتنع الشيعة لهذه الأدلة على صحة عقد عثمان لأنه تم في الأصل طوعًا واختيارًا عن رأي ومشورة الصحابة الذين لم يعدلوا بعثمان بديلًا، فإن هذا الموقف سيوجب القدح أيضًا في إمامة علي لأنها كانت بغير إجماع الصحابة، بل أنكرها طلحة والزبير وعائشة حيث اختاراه الأولان مرغمين كما روي على لسان علي عنهما قال: (بايعاني بالدينة وخلعاني بالعراق)، وردهما (بايعناك على أن تقتل قتلة عثمان) وقول طلحة: (بايعت واللج على قفي)، والزبر: (بايعته أيدينا ولم تبايعه قلوبنا)، فإذا كانت بيعتهما على كره منهما فإنهما أعذر في خلعهما لعلي من عبد الرحمن في خلعه لعثمان[14].

ولكن الباقلاني يقر الحقيقة الواضحة وهي أن الحق كان في يد علي ومعه دون كل من خالفوه. أما عند المقارنة بين موقف كل من عثمان وعلي عند الفتنة، فالأمر يبدو مختلفًا.

لأن الأول أبى على من يريد مناصرته أن يستل سيفه دفاعًا عنه ومنعهم من ذلك وكانوا على استعداد لبذل أنفسهم دفاعًا عنه قائلين: (دعنا نكن أنصار الله مرتين). بينما قعد عن نصرة علي كثير ممن دعاهم إلى القتال معه من جلة الصحابة (فيجب أن يكون ذلك أظهر في القدح في إمامته وأجرد مما تعلق على عثمان)[15].

7- ويختم الباقلاني هذا الدفاع عن عثمان ببراءته من الله من القدح في إمامة على ويلوم الشيعة لأنها البادئة في فتح هذا الباب الذي لا قبل لهم بدفعه، لأن إمامة علي لا تفسد بخلع من عقدها له ولا بالتأويل أنها عقدت على شرط كما لا يوهنها قعود من قعد عنها. وبالمثل لا تبطل إمامة عثمان بما حكي عن عبدالرحمن أو سعي أهل الفتنة وتعديهم عليه لأن إمامته صحت وثبتت فلا يقدح فيها شيء[16].

وإلى هذا أيضًا يذهب القاضي عبد الجبار، إذ يرى أن إمامة عثمان ثابتة صحيحة لأن الأخبار تواترت بأن البيعة له تمت بعد مشاورة، وأن أهل الشورى مكثوا أيامًا يتشاورون، فكانت بيعته معلنة للكافة. وكانت الطريقة التي تمت بها أدعى للمسلمين كافة أن يهتموا يها ويتابعون أخبارها. ولم يقع في ذلك اختلاف إلى أن نسب إليه ما نسب من الأحداث[17] بل إن القاضي عبدالجبار يستدل مما حدث أثناء المشاورة بأنه لا نص على إمامة علي، لأنه دخل فيها راضيًا.

إذ لو وجد النص لوجب أن تقال لعمر بن الخطاب في ذلك الوقت (وأين نذهب عمن نعين الحق له؟ وكيف يجوز أن نجمع بينه وبين من لا حق له في الأمر؟)[18]. وكانت الحاجة شديدة حينئذ لإظهار مثل هذا النص مثلما حدث في اجتماع السقيفة وأعلن أبوبكر أن الإمامة في قريش فسكت الأنصار. فالحقيقة إذًا أن الإمامة تتم بالاختيار مع اختلاف طريقة الاختيار. وقد رأى عمر بن الخطاب أن الستة الذين عهد إليهم بالشورى هم أفضل المسلمين لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شهد لهم بالفضل فحصر الاختيار فيهم.

الطعن في إمامة عثمان:
إن أبرز ظاهرة يقابلها الباحث في خلافة عثمان هي هذا العدد الكبير من الأخطاء التي نسبت إليه للنيل منه والطعن في إمامته، فكأن واضعوها تعقبوه في كل تصرف من تصرفاته ليحسبوا عليه الهنيات، ويظهر القصد المتعمد في الطعن على غير أساس إلا العناد، في موقف كتخلفه عن بيعة الرضوان مثلًا، الذي كان هو نفسه سببها - كما سيتبين لنا عند سردها في موضعها -.

هذا إلى جانب ما يلاحظ من اصطباغ تاريخ الخلافة منذ هذا العهد بالعنف وإراقة الدماء فكانت فاتحة للمآسي أخذت تترى، وظهور الخلافات العنيفة بين الفرق الإسلامية في معتقداتها وأفكارها.

ويرى أهل السنة أن عثمان قتل شهيدًا مظلومًا، وأن ما قيل عنه من تصرفات قام بها هي محض افتراء. يقول الأشعري: (وأنكر قوم عليه في آخر أيامه أفعالًا فيما نقموا عليه من ذلك مخطئين وعن سنن المحجة خارجين، فصار ما أنكروه عليه اختلافًا إلى اليوم، ثم قتل رضوان الله عليه، قتله قاتلوه ظلمًا وعدوانًا، وقال قائلون بخلاف ذلك، وهذا اختلاف بين الناس إلى اليوم)[19].

وعلى هذا النهج يمضي أهل السنة فيكذبون أغلب هذه الوقائع، إما لأنها سردت مرسلة، أو أنها أخبار آحاد، أو لضعف سندها، مع إلقاء العبء على التاريخ لأنه (يسطر ما يملي عليه المجتمع، وكان مجتمع عثمان ساخطًا ثائرًا فأحصيت عليه هذه التوافه وجعلت أحداثًا جسامًا وقع من أجلها أخطر انقلاب عرفه التاريخ)[20].

أما التعليل الذي يورده الجاحظ (255هـ- 868م) فيذهب فيه إلى أن الذي عظم صغيرًا ما كان من أمر عثمان، أنه كان مسبوقًا بعمر بن الخطاب الذي عرف بشدة الرأي والخشونة واليقظة وتقيده تقييدًا شديدًا. بمذهب صاحبيه قبله، ولهذا قيل: (ما قتل عثمان غير عمر)، لأن الفرق كان كبيرًا بين طريقة عمر بن الخطاب في الحكم وطريقة عثمان[21].

ولا يفوتنا أن نذكر أيضًا ما أسهم به المستشرقون في هذا الميدان، فإن فلهاوزن - الذي يبدو أنه تأثر غاية التأثر بآراء غلاة الشيعة والخوارج- يقرر أن (بدء الخلاف في الإسلام الثورة على عثمان، في سبيل الله ضد الخليفة، ومن أجل الحق والعدل ضد فساد الحكم وظلمه. وهي كلمات لم تستعمل ضد عثمان وحده، بل ضد كل حاكم يضل عن سواء السبيل)[22].

ولكن ما يؤخذ على فلهاوزن هنا أنه قرر هذه النتيجة كمسلمة وضعها في بداية بحثه عن (الخوارج والشيعة) دون أن يحلل لنا الأسباب التي استند إليها ولا شك أنها طريقة تجافي المنهج العلمي. ومع هذا فلا تستغرب صدور مثل هذا الحكم منه، لأنه قد يكون صادقًا عن نية مبيتة للتعريض بالإسلام وأهله، فهو الذي يغمز في تصرف الرسول - صلى الله عليه وسلم - نفسه في موضوع تقسيم الغنائم)[23].

أما جولدتسيهر فإنه لم يجد مناصًا من إنصاف عثمان فيقول: (من الإجحاف أن نتهم عثمان بضعف الإيمان أو بفتور الحماس للإسلام)[24].

ويجمع الخوارج على اختلاف مذاهبهم وتعددها، على تكفير علي وعثمان والحكمين وأصحاب الجمل وكل من رضي بتحكيم الحكمين. ويضيف الأشعري إلى هذا أنه فضلًا عن تكفير كل هؤلاء فإن الخوارج يضيفون إليهم كل من صوب الحكمين أو أحدهما[25]. ولكن النَّظّام (231هـ- 845م) لم يصل إلى هذه الدرجة من العلو، وانحصر فيما عابه على عثمان من تصرفات، إيوائه الحكم بالمدينة، واستعماله الوليد بن عقبة على الكوفة حتى صلى بالناس وهو سكران، والاستئثار بالحمى[26]. ولعل أقصى ما يثير دهشة الباحث وسط كل هذه الفرق، من أنكر حادثة قتله بالغلبة والقهر، فكأنهم يستكثرون عليه استشهاده على هذا النحو الذي يرفع من شأنه، فينزعون عنه هذه الفضيلة، بزعمهم أن شرذمة قليلة قتلته بغتة ومن غير حصار مشهور، وهم أتباع هشام بن عمرو الفوطى (226هـ- 840م)[27].

بهذا كله انبرى أهل السنة يؤكدون أن عثمان قتل مظلومًا، وهو أحد المبشرين بالجنة لأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قد بشره لها فيما روى عنه بصحيح البخاري، كما يدافعون عنه دفاعًا حاملًا لأنه ضحى بنفسه رافضًا كل من تقدم حاملًا للسلاح ليدافع عنه (فهو الذي صبر حتى قتل فكان صبره من أعظم فضائله عند المسلمين)[28]؛ بل إن استشهاده كان مثار فخر واعتزاز كبيرين لأنه افتدى دماء أمته بدمه مختارًا فما أحسن الكثيرون منا جزاؤه وأن أوروبا وأمريكا تعبدان بشرًا بزعم الفداء ولم يكن فيه مختارًا)[29].

ولكثرة ما نقم على عثمان من أفعال، ولتشعب الآراء المؤيدة والمعارضة على السواء فضلًا عن الاختلاف البين بين أهل السنة والشيعة في النظرة إليها- فهؤلاء يكفرونه أولئك يؤكدون صحة إمامته ويضعونه في الرتبة الثالثة بعد الصاحبين- لكل هذا فإنه من الضروري أن نعرض على بساط البحث هذه الأحداث بالتفصيل، وهي كما يلي[30]:
1- ضربه لعمار حتى فتق أمعاءه.
2- ولابن مسعود حتى كسر أضلاعه ومنعه عطاءه.
3- وابتدع في جمع القرآن وتأليفه وفي حرق المصاحف.
4- وحمى الحمى.
5- وأجلى أباذر إلى الربذة.
6- وأخرج من الشام أبا الدرداء.
7- ورد الحكم بعد أن نفاه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
8- وأبطل سنة القصر في الصلوات في السفر.
9- وولى معاوية وعبد الله بن عامر بن كريز، ومروان، والوليد بن عقبة وهو فاسق ليس من أهل الولاية.
10- وأعطى مروان خمس أفريقية.
11- وكان عمر يضرب بالدرة وضرب هو بالعصا.
12- وعلا على درجة الرسول - صلى الله عليه وسلم - وقد انحط عنها أبو بكر وعمر.
13- ولم يحضر بدرًا وانصرف يوم حنين وغلب عن بيعة الرضوان.
14- ولم يقتل عبيدالله بن عمر بالهرمزان.
15- وكتب مع عبده على جمله إلى ابن أبي سرح في قتل من ذكر فيه.

وسنعرض رد أهل السنة على هذه الأحداث تفصيلًا فيما يلي:
أ- ضربه لعمار حتى فتق أمعاءه:
يذكر الباقلاني أن سبب ضربه عمارًا أنه قال للطاعنين عليه: (اكتبوا ما تشكونه من عثمان في كتاب وأعطونيه حتى أدخل عليه وأوقفه عليه) فلما دخل عليه غلظ له في القول وافترى واستخف بسلطان الخليفة فحق عليه العقاب، وقد أخطأ عمار حين رمى عثمان بالكفر حتى ردعه علي بقوله: (أتكفر يا عمار برب آمن به عثمان؟) فأجاب بالنفي ولا يستحق عثمان الخلع بسبب تأديبه عمارًا إن كان هذا صحيحًا، لأنه بمثابة الردع، فيكون عثمان صائبًا في فعله وعمار مرتكبًا هفوة في حق الخليفة[31]. وقد أيد أبو علي الجبائي (353هـ- 915م) أيضًا خطأ عمار فيقول: (ولو ثبت أنه ضربه للقول العظيم الذي كان يقوله فيه لم يجب أن يكون طعنًا لأن للإمام تأديب من يستحق ذلك، وما تبعه صحة ذلك أن عمارًا لا يجوز أن يكفره. لأن الذي يكفر به الكافر معلوم)[32].

وقد تكون قصة ضربه باطلة غير صحيحة، وهو ما يراه القاضي أبو بكر بن العربي لأنه لو فتق أمعاءه ما عاش أبدًا[33].

وعن تكفير عمار لعثمان، وما نقل عن دفاع علي والحسن بن على عن عثمان، فإن ابن تيمية يهون من شأن هذه الأحداث لأن الرجل المؤمن قد يظن كفر صاحبه المؤمن ويكون مخطئًا في اعتقاده دون أن يؤدي هذا إلى القدح في ايمان واحد منهما. ويستشهد يما قاله أسيد بن حضير لسعد بن عبادة بحضرة النبي - صلى الله عليه وسلم - إذ قال: (إنك منافق تجادل عن المنافقين)، وكما قال عمر بن الخطاب لحاطب بن أبي بلتعة: (دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق)، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (إنه قد شهد بدرًا وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم؟).

وعلى هذا فإن حجة عمر فيما قاله لحاطب أظهر من حجة عمار (ومع هذا فكلاهما من أهل الجنة، فكيف لا يكون عثمان وعمار من أهل الجنة وإن قال أحدهما للآخر ما قال؟)[34].

ثم يضيف ابن تيمية إلى ذلك، أنه من المحتمل عدم صدور هذا القول من عمار لأن طائفة من العلماء أنكروا أن يكون عمار قال ذلك.

والاتجاه الغالب لأهل السنة هو إنكار صدور مثل هذا الفعل بواسطة عثمان لما شاب التاريخ الإسلامى - خصوصًا في مراحل الاضطرابات والانقلابات السياسية - شوائب وروايات مختلفة دون نقد أو تمحيص من جهة، ولما عرف من أخلاق عثمان الذي عرف بالحياء ودماثة الطبع مع ما له من مكانة في الصحبة والجهاد من جهة أخرى، بحيث يستبعد أن يتصرف مثل هذا التصرف مع واحد من أصحاب الرسول - صلى الله عليه وسلم – وهو عمار بن ياسر- مهما كان بينهما من اختلاف في الرأي[35].

2- ضربه لابن مسعود حتى كسر أضلاعه ومنعه عطاءه:
وينفى الباقلاني هذه الواقعة أيضًا في أول الأمر، أما إذا صحت فإنه مع ثبوت عدالة عثمان وإيمانه، فقد قصد بالضرب التأديب والردع لامتناع ابن مسعود عن إخراج المصحف إلى عثمان، وكان الخليفة الثالث يهدف من جمع المصحف حسم فتنة الاختلاف في القراءة، وجمع الكلمة على مصحف واحد متفق عليه (محفوظ محروس يكون العماد في هذا الباب)، فإذا امتنع ابن مسعود عن إخراج ما تحت يده، فإذا لم يفعل، حق إرهابه بشىء من الضرب، إن صح ما فعله عثمان، ولم يكن بذلك مأثومًا[36].

ويعطي القاضي عبدالجبار الحق لعثمان في ضربه لابن مسعود إن صح الخبر، إلا أنه يؤيد شيخه أباعلي الجبائي في أن واقعة الضرب لم تثبت. ويرى أنه من المحتمل أن بعض موالي عثمان هم الذين ضربوا عمارًا لما سمعوا منه الوقيعة في عثمان (فأما أن يكون هو الذي ضربه أو أمر بضربه فلم يصح عندنا)[37].

وفيما يتعلق بالعطاء فإنه من المحتمل أن عثمان رأى من هو أحق منه أو لعله استغنى عنه، أو اعتقد فيه شبهة تمنع من حصوله عليه، أو تم يستحق أكثر مما أعطاه. وكل هذا مردود إلى اجتهاده، أما منعه العطاء لسنين فلم يثبت وحتى إن صح فلعله كره أن يأخذه أو لعل عثمان صرفه إلى غيره لأنه أولى منه وهو مصيب في ذلك إذا أداه اجتهاده إليه (ومثل هذا لا يثبت بأخبار الآحاد ولا يتوصل به إلى القدح في الأئمة وفضلاء الأمة)[38].

وقد ذكر الحلي أن عثمانًا ضرب ابن مسعود حتى مات فيكذب ابن تيمية الخبر لأنه لما تولى عثمان الخلافة أقر ولاية ابن مسعود على الكوفة. ولم يمت من ضرب عثمان، وحتى إذا فرض وقام عثمان بضرب عمار أو ابن مسعود فإن هذا (لا يقدح في أحد منهم فإنا نشهد أن الثلاثة في الجنة وأنهم من أكابر أولياء الله المتقين).

ليس هذا فحسب ولكن ما حدث بين عثمان وابن مسعود ينبغي ألا نخوض فيه، بل من الأفضل الإمساك عنه وترك أمرهما إلى الله لأننا لا نسأل عن ذلك، فقد قال عمر بن عبد العزيز: (تلك دماء طهر الله منها يدي فلا أحب أن أخضب بها لساني)[39].

ويقول القاضي أبو بكر بن العربي: (أما ضربه لابن مسعود ومنعه عطاءه فزور)[40].

3- جمع القرآن:
وأما جمع القرآن، فتلك حسنته العظمى وخصلته الكبرى، وإن كان وجدها كاملة، لكنه أظهرها ورد الناس إليها، وحسم مادة الخلاف فيها. وكان نفوذ وعد الله بحفظ القرآن على يديه[41] لأن عثمانًا خشي من الاختلاف بين القراء وعدوان بعضهم على بعض، أو الطعن في الدين، ولم يكن أول من جمع القرآن لأنه جمع في أيام الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وفي أيام أبي بكر وعمر أيضًا حيث جمع في الجلود والخزف وغيرها ولم تكن الحاجة إلى جمعه ظاهرة قبل عثمان؛ لأنه لم يحدث حينئذ اختلاف في القراءة بين القراء. فليس جمعه معصية- كما يرى الشيعة - لأن العكس هو الصحيح (وليس من نص الكتاب أو السنة الثابتة أو إجماع الأمة أو حجج العقول ما يحظر جمع القرآن ويقضى على عصيان فاعله)[42].

فالثابت عن الأئمة جميعًا أن أبابكر كلف زيد بن ثابت ليتتبع القرآن ويجمعه لكتابته الوحي لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وقد تتبع القرآن لجمعه حتى وجد آخر سورة التوبة مع خزيمة الأنصاري حيث لم يجدها مع غيره. وكانت الصحف عند أبي بكر وعمر ثم حفصة بنت عمر، حتى حدثه حذيفة بن اليمان عن الاختلاف في القراءة، ورجاه أن يدرك الأمة الإسلامية قبل أن تختلف في كتاب الله اختلاف اليهود والنصارى، فطلب عثمان الصحف من حفصة بنت عمر لنسخها ثم ردها إليها، وأمر زيد بن ثابت، وعبد الله بن الزبير، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام فنسخوها في المصاحف، وقد أمرهم عثمان في حالة الاختلاف أن يكتبوا بلسان قريش لأن القرآن نزل بلسانهم، فإذا ما انتهوا رد عثمان المصحف إلى حفصة وأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا، وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة ومصحف أن يحرق[43].

يقول الطبري: (فاستوثقت له الأمة على ذلك بالطاعة ورأت أن فيما فعل من ذلك الرشد والهداية)[44].

وأما ما روي أنه حرق المصاحف إذ كان في بقائها فساد، أو كان فيها ما ليس من القرآن، أو ما نسخ منه، أو على غير نظمه فقد سلم في ذلك الصحابة كلهم باستثناء ما روي عن ابن مسعود أنه خطب بالكوفة فقال: (أما بعد فإن الله قال: ﴿ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾ [آل عمران: 161] وإني غال مصحفي، فمن استطاع منكم أن يغل مصحفه فليفعل). وقد أكرهه عثمان على رفع مصحفه ومحا رسومه فقم تثبت له قراءة أبدًا. ونصر الله عثمان والحق بمحوها من الأرض[45].

ويضيف الباقلاني إلى ذلك أن ما حمل عثمان على حرق المصاحف، لو صح الخبر لفعل ذلك للمصاحف التي حوت ما لا تحل قراءته، ونظرًا لكون عثمان من أهل العلم غير معاند للنبي - صلى الله عليه وسلم - فإنه يجب أن يكون قد حرق ما يجب إحراقه ولم يرو عن أحد من الصحابة أنه استنكر هذا العمل منه بل شاهدوه دون أن يعترضوا عليه (وقد ثبت عدالة عثمان وطهارته، فلا متعلق في ذلك)[46].

4- حمى الحمى:
وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - قد اختص الحمى بإبل الزكاة المخصصة للجهاد والمصالح العامة حيث قال: (لا حمى إلا لله ورسوله)، وقد استمر الحال كذلك في خلافة أبي بكر، ثم اتسع الحمى في زمن عمر بن الخطاب، ونهج عثمان منهجهما لاتساع رقعة الدولة وازدياد الفتوحات في عهده. وقد دافع عثمان عن نفسه في مسألة الحمى أمام جمع من الصحابة فأعلن لهم أنه اقتصر في الحمى على صدقات المسلمين لحمايتها، أما دفاعه عما قد يلصق به في هذا الموضوع، فقد أوضح لهم أنه كان أكثر العرب بعيرًا وشاة، ثم أمسى وليس له غير بعيرين لحجه. ثم سأل من يعرف ذلك من الصحابة فأيدوه على صدق حديثه (ولهذا فإن عثمان زاد فيه لما زادت الرعية، وإذا جاز أصله للحاجة إليه جازت الزيادة لزيادة الحاجة)[47].

وتضا كان أبو بكر وعمر قد حميا دون أن ينكر عليهم أحد ذلك، فإن عثمان وسع الحمى لكثرة إبل الصدقة وماشيتها وكثرة الخصومات بين رعاة ماشية الصدقة فلا إثم عليه[48].

5- أجلى أبا ذر إلى الربذة:
6- وأخرج أبا الدرداء من الشام:
كان أبو ذر زاهدًا، وكان يهاجم عمال عثمان فيتلو عليهم: ﴿ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ [التوبة: 34]، وينكر عليهم ما توسعوا فيه من المراكب والملابس وقد اصطدم لهذا السبب بمعاوية في الشام، فلما قابله عثمان قال له: (لو اعتزلت) فقصد اتقاء الفتنة التي قد تحدث من صدامه مع ولاته، لأن في كلام أبي ذر ما يقتضى إلا أن يفر بنفسه لئلا يثير المنازعات، وإذا يسلم لكل بماله مما ليس بحرام في الشريعة.

وقد خرج أبو ذر إلى الربوة زاهدًا فاضلًا[49].

وعلى هذا النحو من تفسير هذه الحادثة يمضي الباقلاني فيقول: بأنه اختار الخروج إلى الربذة ولم يبعد إليها كما تروي أخبار الشيعة بالباطل[50].

أما القاضي عبدالجبار فيذهب إلى أن خروج أبي ذر إلى الربذة لم يكن ظلمًا له بل ربما كان إشفاقًا عليه حتى لا يلحقه ضرر من أهل المدينة لما كان يعلنه من آراء[51].

أما ابن تيمية فإنه يتوسع في المعنى الفقهى لحق الآموال، ويعتبر أباذر غير محق في الحجج التي أوردها من الكتاب والسنة حيث جعل الكنز ما زاد عن الحاجة. وقد استشهد ابن تيمية بحديث للرسول - صلى الله عليه وسلم - وأقوال الصحابة ويرى طبقًا للتعريف الذي أورده بعض الصحابة أن الكنز هو المال الذي لم تؤد حقوقه. كما استند إلى تقسيم الله للمواريث في القرآن، مما كان من شأن بعض الصحابة الذين امتلكوا المال سواء من المهاجرين والأنصار، بل إن أكثر من واحد من الأنبياء كانوا يمتلكون أموالًا. وتفسير أبي ذر (يريد أن يوجب على الناس ما لم يوجب الله عليهم ويذمهم على ما لم يذمهم الله عليه مع أنه مجتهد في ذلك مثاب على طاعته - صلى الله عليه وسلم - كسائر المجتهدين من أمثاله)[52].

والدليل على أن أباذر قد اختلف في التفسير مع معاوية دون أن يؤدي هذا الاختلاف إلى إبعاده قسرًا كما تزعم الروايات، أن معاوية قد عرف بحلمه وصبره، فإذا كان قد استفز ولجأ إلى الشكوى من أبي ذر، فلا بد أن السبب كان خطيرًا حيث قدره معاوية في ضوء تجربته في حكم أهل الشام.

وقد وقر عثمان أباذر لأنه كتب إليه مباشرة ليقدم إلى المدينة بقوله: (أقبل إلينا فنحن أرعى لحقك جوار لك من معاوية) فأطاعه وقدم إلى عثمان.

فخلاصة القصة كيفما صورت لا تخرج إذا عن أنها (مظهر من مظاهر تقرير سلطان الرياسة العليا للدولة وتوطيد دعائم الحكم، ولونًا من ألوان سياسة الأمة)[53].

وكذلك الحال في قصة أبي الدرداء، فإنه كان زاهدًا فاضلًا حاول تطبيق ما كان يفعله عمر بن الخطاب في قوم لم يحتملوا هذه الطريقة، فلما عزل خرج إلى المدينة. (وهذه كلها مصالح لا تقدح في الدين، ولا تؤثر في منزلة أحد من المسلمين بحال)[54].

7- رد الحكم بعد أن نفاه الرسول - صلى الله عليه وسلم -:
إن هذا الخبر قد أنكره الكثيرون قائلين أن الحكم استأذن في الخروج إلى أهله فأذن له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما حدث اختلاف في رواية الطرد، منها أنه كان يحاكي الرسول - صلى الله عليه وسلم - في مشيته أو يحاكيه خلف الصفوف[55].

وروي أيضًا أن عثمان طلب رده من أبي بكر وعمر لأنه كان قد استأذن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأذن له، ولكن الخليفتين طلبا منه شاهدًا آخر معه، فلما لم يجد هذا الشاهد وولي الحكم بعد ذلك رده بعمله وهو مما يجوز له فعله كحاكم[56].

وما كان عثمان ليصل مهجور رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولو كان أبوه، ولا لينقض حكمه[57].

ولا يكتفي ابن تيمية بالطعن في مصادر الخبر، لأنه ليس في الصحاح ولا يعرف له إسناد، بل يحلل معناه، ولا يراه طردًا من مكة إلى المدينة - إن صحت الرواية - لأن الحكم بن العاص كان من مسلمي الفتح وكان ابنه مروان صغيرًا إذ ذاك، ولم يكن الطلقاء يسكنون بالمدينة في حياة النبي - صلى الله عليه وسلم -، فإن صح الطرد فقد يكون طرده من مكة لا من المدينة وإن طرده من المدينة لنفاه إلى مكة، كل هذا مع أن كثيرًا من أهل العلم طعنوا في صحة الرواية قائلين أنه ذهبت باختياره. ويقول: (وإذا كان النبي - صلى الله عليه وسلم - قد عزر رجلًا بالنفي لم يلزم أن يبقى منفيًا طول الزمان فإن هذا لا يعرف في شىء من الذنوب ولم تأت الشريعة بذنب يبقي صاحبه منفيًا دائمًا بل غاية النفي المقدر سنة وهو نفى الزاني والمخنث حتى يتوب)[58].

فإذا كان قد نفاه الرسول - صلى الله عليه وسلم - فإن ذلك قد تم في آخر الهجرة ولم تطل مدته بخلافة أبي بكر وعمر لقصرها ولكنها طالت في عهد عثمان. وقد حدث أن شفع عثمان في عبد الله بن أبي سرح إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وكان قد أهدر دمه لارتداده عن الإسلام بعد أن كان كاتبًا للوحى، فأذن له. وهذه الرواية ثابتة بالإسناد. فكيف يقبل الرسول - صلى الله عليه وسلم - العفو عن عبد الله ابن أبي سرح - وهذا ذنبه - ولا يأذن لعثمان برد الحكم مع أن ذنبه دون ذنب الأول؟.

ومع ما عرف من فضائل عثمان التي تقطع بأنه من أولياء الله المتقين، فإنه كان مجتهدًا في رد من نفاه النبي - صلى الله عليه وسلم - لما تبين له توبته بينما لم يتبين لأبي بكر وعمر توبته، وأن أقصى ما يمكن أن يتحمل مسئوليته عثمان هو الخطأ في الاجتهاد. وجمع هذا فإن نقل الخبر لا يعرف له إسناد ولا كيف وقع، بل هي قمة تلقى على عاتق عثمان بواسطة الشيعة ابتغاء الفتنة[59].

8- إبطال سنة القصر في الصلوات في السفر:
إن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يتم الصلاة أثناء السفر تارة ويقصرها تارة أخرى، وكانت السيدة عائشة تفعل ذلك وغيرها من الصحابة فلم يعترض أحد حينئذ فهو إذًا قول باطل عن عثمان وهو دليل على العناد في خصومته وكان استناد عثمان في إطالة الصلاة على سببين:
أحدهما قوله: (كان أهلي بمكة فصرت في حضر وخرجت عن حكم المسافر.

والثاني: (بلغني أن العرب انصرفت إلى مياهها وصلت ركعتين وقالت: إن الصلاة قصرت فخفت دخول الشبهة عليهم)[60].

فترك القصر إذًا اجتهاد من عثمان، إذ حمل افتتان الناس بقصر الصلاة حتى أدوها أيضًا في منازلهم لا في السفر وحده، ورأى أن هذه السنة قد تؤدي إلى إسقاط الفريضة نفسها فتركها خوف الذريعة[61].

9- تولية: أ- معاوية. ب- عبد الله بن عامر بن كريز. ج- مروان بن الحكم. د- الوليد بن عقبة.
أ- معاوية:
أن معاوية كان من أمراء عمر ولم يعترض عليه أحد في زمان عمر[62] وقد جمع له عمر الشامات كلها واستمر في أيام خلافة عثمان، بل إن الذي ولى معاوية هو أبو بكر الصديق لأنه كان قد ولى أخاه يزيد في الشام فلما استخلفه يزيد لم يعترض على ذلك أبوبكر، وجاء عمر فأقر ولاية معاوية[63].

وكانت سيرة معاوية مع رعيته من خيار سير الولاة، لأئهم كانوا يحبونه ويحبهم، وقد ظهرت الأحداث بعد قتل عثمان حيث شملت الفتنة أكثر الناس دون أن يختص بها معاوية وحده (وكان معاوية أطلب للسلامة من كثير منهم وأبعد من الشر من كثير منهم)[64].

ب- عبد الله بن عامر:
إن من أظهر مزايا عبد الله بن عامر افتتاحه خراسان كلها، وأطراف فارس، وسجستان وكرمان، كما قضى على يزدجرد بن شهريار آخر ملوك الفرس. ولهذا فقد أحرق قلوب أهل النزعة المجوسية في الإسلام فظلوا يحاربونه - كما حاربوا عثمانًا - بسلام الكذب والدس والبغضاء. أما صادقوا الإسلام فهم يحبونه ويجلونه[65].

ولا عصمة لغير الأنبياء، فإذا أخطأ مثل عبد الله بن عامر فإن حسناته الكبيرة تغفر له هفواته، وإذا فعل منكرًا، فإنه يتحمله وحده، ولم يرض عثمان بفعله[66].

ج- مروان بن الحكم:
إن مروان من كبار الأمة عند الصحابة والتابعين وفقهاء المسلمين[67].

وكان ابن المطهر الحلي قد أخذ على عثمان توليته مروان أمره وأنه ألقى إليه مقاليد أموره ودفع إليه خاتمه وحدث بسبب هذا قتل عثمان وما وقع من فتنة بين الأمة[68].

ولكن ابن تيمية في جوابه على هذا يعلل قتل عثمان والفتنة بصفة عامة- لا لسبب مروان وحده - ولكن لأسباب عديدة تجمعت وتكاتفت، ومنها أمور تنكر من مروان بن الحكم.

وقد يرجع السبب أيضًا إلى كبر سن عثمان، فكان الولاة أحيانًا يعلمونه بما يفعلونه وأحيانًا أخرى لا تصل هذه الأخبار إلى مسمعه، فلما تقدم المفسدون الذين أرادوا قتله أزال لهم أسباب شكواهم، فعزل من يريدون عزله، وأعطى مفاتيح بيت المال لمن يختارونه، وتعهد ألا تصرف أية أموال من بيت المال إلا بعد مشاورة الصحابة وموافقتهم.

فلفا اتهموا مروان بأنه كتب الكتاب الذي يحض على قتلهم- بعد إنكار عثمان أنه صدر منه - طلبوا تسليمهم مروان، فأبى وكان عثمان محقًا في هذا، لأنه إن كان مروان قد أذنب بما أراده من قتلهم، فإن هذا الفعل - أي قتلهم - لم يتم، فلا ينبغي قتله إذًا لهذا السبب، وإنما يكفي تأديبه بأية وسيلة (أما الدم فأمر عظيم)[69].

ويحقق الشيخ محمد صادق عرجون هذه المؤامرة كما أوردها الطبري ولا يخرجها عن احتمالين: الأول: أنه لم يكتب هذا الكتاب قط وإنما هو مجرد أكذوبة افتراها المفترون وتصايحوا في المدينة ليؤلبوا العامة، ومما يؤيد هذا الاحتمال قول علي بن أبي طالب: (هذا أمر أبرم بالمدينة)، والاحتمال الثاني: أن هذا الكتاب كتبه الثائرون أنفسهم ودبروا المؤامرة بكامل تفاصيلها من النقش على خاتم عثمان إلى سرقة إبل الصدقة وإغراء غلام عثمان أو مروان، ويؤيد هذا الاحتمال أن هذا الراكب كان يتعمد التعرض للثائرين أثناء رجوعهم ثم يفارقهم تارة أخرى ليثير انتباههم. فمما لا يتصور عقلًا أن يولي عثمان محمد بن أبي بكر مصر ويبعث معه جماعة من المهاجرين والأنصار ثم يأتي مروان أو غيره لينقض ما أبرمه الخليفة ويكتب كتابًا يأمر فيه بقتلهم، وهو الأمر الذي أثار تساؤل علي بن أبي طالب حين سأل الثائرين: (كيف علمتم يا أهل الكوفة ويا أهل البصرة بما لقي أهل مصر، وقد سرتم مراحل ثم طويتم نحونا؟) ولهذا السبب استنتج أن المؤامرة أبرمت بالمدينة كما تقدم. وكانت إجابتهم له: فضعوه كيف شئتم لا حاجة لنا في هذا الرجل، ليعتزلنا وظهرت نيتهم المبيتة.

فهو إذًا تدبير خبيث كان لحزب السبئيين فيه اليد الطولى، لتقويض الخلافة الإسلامية وتفريق أهل الأمة.

ولا يستغرب ما حدث من تزوير الكتاب على عثمان لأنه سبق أن زور على السيدة عائشة كتاب الخروج على عثمان، وعلى عمر بن الخطاب لاختلاس المال من بيت المسلمين، كما روى ابن عساكر والبلاذري[70].

د- الوليد بن عقبة:
روى بعض المفسرين أن الله سماه فاسقًا ﴿ إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ ﴾ [الحجرات: 6]، عندما أرسله النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى بني المصطلق، فأخبر عنهم ارتدادهم، ولكن خالد بن الوليد قد تثبت من الأمر فتبين له بطلان قول الوليد، واختلفت الرواية من ناحية أخرى، إذ أن الوليد كان صبيًا يوم الفتح، وعلى هذا فإن من يكون في هذه السن لا يوفد في مهمة كهذه (وبهذا الاختلاف يسقط العلماء الأحاديث. وكيف يفسق رجل بمثل هذا الكلام؟ فكيف برجل من أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم -)[71].

ولكن ابن تيمية يميل إلى تصديق التفسير الأول، ويأخذ دفاعه وجهة أخرى، فيرى أنه إذا كان أمره قد خفي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فكيف لايخفى على عثمان؟ وقد ولاه عثمان بعد أن تاب لأن باب التوبة مفتوح. وإن أقصى ما يُقال عن عثمان أنه ولاه مع وجود الأفضل منه، ولكن عذر عثمان في هذا أنه حين ولاه لم يظهر عليه ما يدل على الفسق - كشرب الخمر - وإن ظهر بعد ولايته، وقد أقام عليه الحد في شرب الخمر، وتوليته كان اجتهادًا من عثمان وميلًا لأقاربه مما لا يقدح فيه لأنه ظن أنهم أحق من غيرهم[72].

10- أعطى مروان خمس أفريقية:
إن هذا الخبر لم يصح، ولكن الذي صح هو أن عثمانًا أعطى خمس الخمس لعبدالله بن أبي سرح جزاء جهاده في غزو أفريقية، وقد ذهب مالك وجماعة إلى أن الإمام يرى رأيه في الخمس. وينفذ فيه ما أداه إليه اجتهاده، وإن أعطاه لواحد جائز[73].

ولكن الشيخ صادق عرجون يرى أنه بعد أن فتح أبو سرح أفريقيا وغنم مغانم كثيرة قسمها على الجند وأرسل الخمس من الذهب إلى الخليفة وكان خمسمائة ألف دينار، ولما بقي من الخمس مالًا يمكن نقله اشتراه مروان بن الحكم بمائة ألف درهم وسدد أكثر هذا المبلغ. إلا أن عثمانًا وهب له مالًا يدفعه وكان قليلًا وذلك عندما بشره بخبر الفتح لأفريقيا، وكان المسلمون جميعًا مشغولين بهذا الغزو لبعده عن بلاد العرب، وهذا من حق الإمام، فقد نفل أبوبكر خالدًا بن الوليد قلنسوة الهرمزان وكانت تقدر بمائة ألف[74].

11- وكان يضرب بالعصا بينما ضرب عمر بالدرة:
وهذا اتهام باطل أيضًا[75]، ويكشف عن تخبط المهاجمين لعثمان، فهو أحيانًا في نظر الثائرين ضعيف مستضعف، لأنه سلم زمام الأمور إلى ابن عمه مروان بن الحكم وبعض أقاربه، وهو في زعمهم أيضًا قاسيًا شديد القسوة يضرب بالعصا. وإن صح هذا فإنه قد (أدب، ببعض طرائق الأدب الذي يوجبه عليه منصبه ومكانه من المسلمين، بعض من رأى تأديبه ولأنه ساس بعض رعيته سياسة تدفع عن الأمة ضررًا محققًا لو تركت الأمور للمصادفات)، ولم يبتدع عثمان أمرًا جديدًا في هذا التأديب، بل سبقه إليه عمر بن الخطاب الذي خفق سعد بن أبي وقاص بالدرة حينما اقتحم المكان عليه غير هياب، كما قص من عمرو بن العاص لرجل من رعيته، وأمر عمر أباموسى الأشعري أن يجلس لرجل من رعيته ليقتص منه، بل عزل بعض الولاة والقواد الكبار وأحل مكافم غيرهم فكيف يكون التصرف هنا مباحًا لا يعترض عليه، وبالنسبة لعثمان بطشًا وقوة وشدة بأس؟[76].

12- علا على درجة الرسول - صلى الله عليه وسلم - وقد انحط عنها أبو بكر وعمر:
لم يثبت هذا أيضًا عن عثمان، وحتى إن صح فإنه لا يحل معه دم عثمان لأنه إذا هداه اجتهاده إلى أن الصعود فيه مصلحة، وأكثر رهبة للعدو، وأبلغ للقول، وأقمع للطامع في إذلال الإمام، جاز له أن يفعل ذلك.

ومن المعلوم أن عثمان لم يتقدم عن أبي بكر وعمر فضلًا عن الترفع عن النبي - صلى الله عليه وسلم -[77] بل كان مسجد الرسول - صلى الله عليه وسلم - ضيق المساحة أثناء خلافة أبي بكر وقد وسعه عمر بن الخطاب. ثم زاد في مساحة عثمان لازدياد عدد المصلين، ومن الجائز أن عثمان قد ارتفع بالمنبر لما رآه من ضرورة ذلك، ولم ينكر عليه أحد من الصحابة هذا التصرف[78].

13- لم يحضر بدرًا، وانصرف يوم حنين، وغاب عن بيعة الرضوان:
تقف مصادر أهل السنة[79] في صف واحد في مواجهة هذه الوقائع الثلاث، وتستند في دفاعها على نفس الحجج، فإن سبب تغيبه عن موقعة بدر هو مرض بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - - وهي زوجة عثمان - وكان صلوات الله عليه يقول: (إن قومًا بالمدينة تخلفوا وما تخلفوا عما نحن فيه). وقد عرف من حوله حينئذ أنه يقصد عثمان؛ لأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - جعل لعثمان فضل المحاربين وضرب له سهمه من غنيمة بدر.

أما إذا كان قد تخلف بغير عذر مقبول، لاستحق الذنب والتنبيه على سوء فعله (وهذا عائد بالطعن على النبي - صلى الله عليه وسلم - بالتهمة دون غيره)[80].

أما عن يوم حنين، فمن الثابت أنه لم ينصرف انصراف المنهزم، وإنما كان متحرفًا لقتال ومنتهزًا لفرصة، وقد روي أن ما بقي مع الرسول - صلى الله عليه وسلم - في هذا اليوم عمه العباس وابنيه عبيد الله بن العباس، وقشم، أو نفر يسير في خبر آخر، وقد اشترك في الانصراف باقي الصحابة، فقم يقع هذا الذنب على عاتق عثمان وحده، ومع هذا فإنه قال (فإن كان الأمر على ما وصفتم، فقد عفا الله عني وعن المنصرفين)[81]. حيث يقول تعالى: ﴿ وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ ﴾ [آل عمران: 155]، وقال أيضًا: ﴿ ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ ﴾ [التوبة: 27].

أما القول بأنه تغيب عن بيعة الرضوان فهو دليل على الرغبة في اللجاج بل والجهل أيضًا بالمقصود لهذه البيعة، ذلك لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد أوفده إلى مكة ليحمل رسالة إلى أهلها، وقد اختاره دون غيره لأن له شوكة تحميه هناك، وهم بنو أمية من أشراف مكة، فلما وصلت أخبار تفيد قتلهم عثمان، أخذ النبي - صلى الله عليه وسلم - البيعة من الصحابة للقتال حيث قال: (والله لئن كانوا قتلوه لأضرمنها عليهم نارًا). ثم أخذ البيعة له قائلًا: (هذه شمالي عن يمين عثمان، وهي خير له من يمينه).

ويهذا كان عثمان سببًا في بيعة الرضوان وغضب الرسول - صلى الله عليه وسلم - فكيف يكون بتأخره عنها منقوصًا؟[82].

14- لم يقتل عبيدالله بن عمر بالهرمزان:
لم يترك عثمان قتل عبيدالله إلا بعد أخذ المشورة، وكانت هذه المشورة تنصح بألا يقتل لأن أباه قتل من قبل، فإذا قتل عبيدالله أيضًا فسيتحدث به الناس جميعًا، وفي ذلك ما يوهن من شأن الدين ويذل سلطان المسلمين، لما له من وقع في غير بلاد الإسلام.

يقول القاضي عبدالجبار: (وللوالي أن يعفو كما له أن يقتل، فجاز لعثمان أن يعفو، ولم يفعل إلا ما جاز له، وروي أنه سأل المسلمين أن يعفو وأن يتركوه فأجابوه إلى ذلك وإنما أراد عثمان بترك قتله وبالعفو عنه ما يعود إلى عز الدين، لأنه خاف أن يبلغ العدو قتله، فيقال: قتلوه وقتلوا والده)[83].

ومن الجائز أن بعض الصحابة كانوا يرون الاقتصاص من عبيدالله بقتله كما قتل الهرمزان، ولكن عثمان لم يشاركهم هذا الرأي خشية ما يمكن أن يتكرر من أفعال بواسطة أشخاص مثل الهرمزان فيستهان بالأئمة، ويتوثب عليهم قتلًا[84].

وكان الهرمزان من المحاربين في صفوف كسرى ضد المسلمين، فلما أسره المسلمون وجيء به إلى عمر أعتقه.

وللموضوع سابقة تجعل عبيدالله يقع في الشبهة، لأن عبد الله بن عباس - وهو أفقه من عبيد الله بن عمر وأدين وأفضل بكثير - قد استأذن في قتل الفرس الذين يحضرون إلى المدينة جميعًا عندما شاء منهم الفساد، فكيف لا يعتقد عبيدالله جواز قتل الهرمزان؟[85].

وكما اختلف الفقهاء في قتل المشتركين في قتل الأشخاص العاديين، تنازعوا أيضًا في قاتل الأئمة - هل يقتل قاتلهم حدًا أو قصاصًا؟ فهم من المفسدين في الأرض، وفسادهم أكبر من قاطعي الطرق الذين يجب قتلهم (وعلى هذا خرجوا فعل الحسن بن على - رضى الله عنهما - لما قتل ابن ملجم قاتل علي وكذلك قتل قتلة عثمان[86].

ولهذا السبب أيضًا يجب قتل الهرمزان لإعانته على قتل عمر. وإذا كان عبيدالله بن عمر قد قتله بنفسه، دون أن يترك لولي الأمر قتله، فقد فعل هذا متأولًا بشبهة، فتدرأ هذه الشبهة القصاص عنه. كما حدث مع أسامة بن زيد فقد عزره رسول الله - صلى الله عليه وسلم – بالكلام لقتله رجلًا بعد قوله لا إله إلا الله لأنه كان متأولًا، وتأويل عبيدالله أصبح بالمثل شبهة تمنع من وجوب القصاص منه.

واستشهادًا بالحديث الذي رواه مسلم ونصه (من جاءكم وأمركم على رجل واحد يريد أن يفرق جماعتكم فاضربوا عنقه بالسيف كائنًا من كان)، يرى ابن تيمية أنه - صلى الله عليه وسلم - أمر بقتل الواحد المريد تفريق الجماعة، ومن قتل إمام المسلمين فقد فرق جماعتهم[87].

فإذا كان قتل الأئمة - عمر وعثمان وعلي - يعتبر محاربة دينه ورسوله وفساد في الأرض، كذلك الذين يشتركون في القتل - كالهرمزان يجب قتلهم أيضًا - ولهذا يحل قتله لإعانته على قتل عمر[88].

ومما يثير دهشة ابن تيمية الدفاع عن الهرمزان، هذا الذي اشترك في قتل عمر، بينما لا يجعل لدم عثمان حرمة، وهو إمام المسلمين.

15- الكتاب الموجه إلى ابن أبي سرح لقتل المذكورين فيه:
إن الغلام لم يكن غلامه وإنما هو أحد رعاة إبل الصدقة، ولكثرتهم وتبدلهم، فإن رؤساءهم لا يعرفونهم فضلًا عن أمير المؤمنين، ومن اليسير استئجاره بواسطة أحد الثائرين لتحقيق أغراضهم، لا سيما وأن اثنين ممن عانوا على رؤوسهم - وهم الأشتر وحكيم بن جبلة- تخلفا في المدينة بعد أن اقتنع أهل الأمصار بدفاع عثمان عن نفسه، وعز عليهما أن تخمد الفتنة على هذا النحو، وتعود الطوائف من حيث أتت، فدبرا أمر هذا الكتاب، وهما صاحبا مصلحة في تجديد الفتنة[89].

وقد طلب عثمان من الثائرين أن يقيموا شاهدين، وحلف لهم بأنه لم يكتب هذا الكتاب- وهو الصادق المعروف بصدقه - ورفض تسليم مروان لأنه لو سلمه لهم لكان ظالمًا إذ ينبغي أن يطلبوا حقهم عنده على مروان أو سواه (وأمثل ما روى في قصته أنه تألب عليه قوم لأحقاد اعتقدوها، ممن طلب أمر فلم يصل إليه)[90]، وكان على رأس هؤلاء جميعًا الغافقي الصري وكنانة بن بشر التجيبي وهما من أتباع ابن سبأ، وسودان بن حمران الذي تسور دار عثمان، وكان آتيًا من اليمن قائدًا لإحدى فرق الفتنة، وعبدالله الخزاعي وحكيم بن جبلة الذي عرف عنه تخلفه عن الجيوش، وإغارته على أهل الذمة فشكوه إلى عثمان، فأمر بألا يخرج من البصرة، فحملها في نفسه ثم كان عونًا لابن سبأ، ومالك بن الحارث الأشتر الذي عرف أيضًا بمساهمته في الفتن. فهم جميعًا من ذوي الأحقاد والضغائن، ولم يسلم أحدهم من النقائض سواء النفاق أو الاشتراك في الفتن.

ومما يثبت أن نيتهم كانت مبيتة على قتله قبل العثور على الكتاب، أنه كان يناقشهم فيما حملوه عليه من نقد، فرد عليهم وأجابهم على كل ما استفسروا بشأنه (فأخذوا ميثاقه، وكتبوا عليه ستًا أو خمسًا، أن المنفي يُعاد، والمحروم يعطى، ويوفر الفيء، ويعدل في القسم، ويستعمل ذوو الأمانة والقوة، فكتبوا ذلك في كتاب وأخذ عليهم أن لا يشقوا عصا ولا يفرقوا جماعة)[91].

وبالرغم من كل هذا فقد أعادوا الكرة عليه احتجاجًا بالكتاب المزعوم، وأنكروا دفاعه عن نفسه بالرغم من ردوده المقنعة، مثل قوله: (أنشدكم الله، هل سمعتم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: (لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: كفر بعد إيمان، أو زنا بعد إحصان، أو قتل نفس بغير نفس؟) ثم استشهاده بأمثلة أخرى، كقيامه بتوسيع المسجد بالمدينة، وتجهيزه جيش العسرة، وشرائه البئر للمسلمين، وقيامهم بالتصديق على هذه الأفعال كلها، فيسألهم (فما بالكم تمنعوني الصلاة في المسجد؟ وما بالكم آمنون وأنا خائف)[92].

وإن ماضيهم لينبئ عن طول باعهم في الفتن، فقد أبعدوا من المدينة إلى الشام فلما أبعدهم معاوية من الشام انتهى بهم المطاف إلى الجزيرة، وكان أميرها عبدالرحمن بن خالد بن الوليد، الذي استطاع قمعهم وكان من أقواله لهم: (يا حزب الشيطان، قد انصرف الشيطان محسورًا وأنتم في ضلالكم تترددون، أنا عبد الرحمن، أنا ابن خالد بن الوليد، أنا ابن فاقئ عين الردة، لم لا تقولون لي ما كنتم تقولونه لمعاوية وعبدالله بن عثمان؟)[93]. وتوعدهم وساسهم بالحزم والشدة فأظهروا التوبة والندامة لطعنهم على عثمان، وجددوا التوبة على يد عثمان، فعفا عنهم، وتركهم يختارون البلاد التي يحبون الإيواء إليها، إلا أنهم عادوا هذه المرة يكيدون لعثمان، بصدور وغرة ونفوس حانقة لم يقنعوا إلا بالإصرار على قتل الخليفة الثالث.

وينفي ابن تيمية حادثة قتل محمد بن أبي بكر التي قيل أن عثمان قد أمر به في هذا الكتاب، إذ إن (كل ذي علم بحال عثمان وإنصاف له يعلم أنه لم يكن ممن يأمر بقتل محمد بن أبي بكر وأمثاله ولا عرف عنه قط أنه قتل أحدًا من هذا الضرب)[94].

وابن خلدون أيضًا ممن ينفون صدور هذا الكتاب عن عثمان، ويصف الثائرين عليه بأنهم من الغوغاء لم يكن مقصدهم كالظاهر من أقوالهم، ولكنهم كانوا يضمرون قتله، لأنه بعد أن نفذ لهم ما يطالبون به رجعوا ثانية (وقد لبسوا بكتاب مدلس، يزعمون أنهم لقوه في يد حامله إلى عامل مصر بأن يقتلهم)[95].

16- إيثار أهله بالأموال:
ويرى القاضي عبد الجبار أن ما يدحض هذا الطعن هو أنه كان موسرًا، فلا يستبعد أنه كان يعطي أهله من ماله الخاص[96].

أما ابن تيمية فإنه يورد مذاهب الفقهاء في الموضوع، وله تأويلان: أحدهما: أنه ما أطعم النبي - صلى الله عليه وسلم - طعمة إلا كانت طعمة لمن يتولى الأمر بعده، وأن ذوي القربى في حياته - صلى الله عليه وسلم - ذوو قرباه، وبعد موته هم ذوو قربى من يتولى الأمر بعده. وكان لعثمان أقارب أكثر ممن لأبي بكر وعمر، وهم مما يستحقون من بيت المال مما جعله الله لذوي القربى، خاصة وأنهم يناصرون ولي الأمر ويدافعون عنه. وهذا ما لا يفعله غيرهم (فإن لم يكن الناس مع إمامهم كما كانوا مع أبي بكر وعمر احتاج ولي الأمر إلى بطانة يطمئن إليهم وهم لابد لهم من كفاية)[97]، والتأويل الثاني: أنه كان يعمل في المال وقد قال الله تعالى: ﴿ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا ﴾ [التوبة: 60]، وإذا كان العامل على الصدقة، وولي اليتيم، وناظر الوقف يأخذون أجورهم، فإن عثمان أيضًا يستحقه لأنه ولي المال[98].

17- زاد الأذان الثاني يوم الجمعة:
سمع علي بن أبي طالب هذا الأذان، ولم يعترض عليه أو ينكره، كما أنه لم يأمر يمنعه بعد أن صار خليفة، وإذا كان هذا بدعة، كما يرى ابن المطهر الحلى، لهان على عليّ إزالتها وهو الذي أمر بعزل معاوية وغيره. فإذا قيل أنه أمر بإزالة الأذان ولكن الناس لم يوافقوه على هذا، لدل على أنهم استحسنوه واستحبوه وفيهم أكابر الصحابة الذين لم ينكروه[99].

مقارنة بين موقف أهل السنة والشيعة:
إنه لأمر يدعو إلى التساؤل: كيف جمع الشيعة، أو الخوارج أو هما معًا - لأن أغلب المراجع لا يبين لنا مصدرها - هذا الحشد الكبير من التهم الموجهة إلى عثمان، فنزعوا بها عنه عل فضيلة، ولم ينسبوا إليه قط أية حسنة، بل وقلبوا الفضائل إلى رذائل، وموضوع جمعه للقرآن. وجعلوا من خصومتهم للخليفة الثالث موضوع جدل أدخلوه ضمن حجاجهم العقائدي.

ويبدو لأول وهلة من مجرد تجميع هذه الأفعال المنسوبة إليه، والتي نقموا عليه من أجلها، وطعنوا في إمامته بسببها أن هذه العملية قد بلغت حدًا يفوق التصور، إذ لم يميزوا بين الحسن والسيء من الأفعال، بل كان الغرض حشدها وتجميعها، وفيها ما يعتبر من مفاخر عثمان لدى أهل السنة عند نسبتها إليه، فقد أخفى خصومه فضائله في الفتيا والرواية والجهاد في سبيل الله وانفراده بأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد بايع عنه وحده بيساره عن يمين عثمان في بيعة الرضوان كما ذكرنا، وله هجرتان وسابقة وصهر مكرر، لقب من أجله بذي النورين، وهو معدود من أهل بدر، ولو لم يحضرها.

ويذكر له ابن حزم أيضًا فتوحاته في الإسلام، وعدم تشبثه بسفك دم مسلم، وهو من المبايعين تحت الشجرة الذين بشرهم الله تعالى: ﴿ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ ﴾ [الفتح: 18]، مع أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وعمار والمغيرة بن شعبة رضي الله عنهم[100].

وهكذا، جمع ابن حزم - كما يفعل أهل السنة - بينهم جميعًا كصحبة واحدة فاضلة مع أن لعثمان خصلتين ليستا لأبي بكر ولا لعمر، صبره على نفسه حتى قتل، وجمعه الناس على المصحف[101]. وهو الذي قال عنه سيد التابعين - سعيد بن المسيب (93هـ-709م): (قتل عثمان مظلومًا، ومن قتله كان ظالمًا، ومن خذله كان معذورًا)[102].

ويبدو أن موقف الشيعة والخوارج من عثمان، وإدخال هذه الشبهات ضمن المسائل الجدلية التي تحفل بها كتبهم، أدى إلى أن يجاريهم أهل السنة فيدافعون عن عثمان بنفس الحرارة، حتى أدخل الجدال في كتب علم الكلام، إذ يتناولونه بالمناقشة والنقد والرد كما يفعلون في المسائل الاعتقادية سواء بسواء، ولكن دون المساس بعلي أو الطعن فيه، فعلي عندهم له الفضائل والمعارف التي تفوق المألوف، وهو (رباني هذه الأمة) كما لقبه الحسن البصري، وهو أيضا (أنشودة الإسلام الكبرى، لأنه كان خليقًا بكل محبة وإجلال وبكل صورة للهيام والعشق في قلوب المسلمين)[103].

وعملًا بطريقة أهل السنة في الجدال، ينسب ابن حزم الفضائل إلى المسلمين الأوائل جميعًا، منذ بداية عهد المهاجرين والأنصار، إلى بيعة الرضوان؛ لأئهم مؤمنون صالحون كلهم، ماتوا على الإيمان والهدى والبر، مستشهدًا بالآية: ﴿ لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ ﴾ [الفتح: 18].

فالاختلاف إذًا واضح بين هؤلاء وأولئك، ففريق يسرف في التجريح والخصومة ويصل يها إلى أبعد مدى كما ذكرنا، بل ويفخر الخوارج (بقتل عثمان ويرون أن الإقرار بهذا العمل الذي كان حجر الزاوية في الثورة هو بمثابة الشهادة)[104]. وفريق أهل السنة الذي (أعلن الحب وتولى الجميع)[105]، فينظرون إلى الصحابة نظرة متسامحة تتفق مع روح الدين وتعفو عن الهنات إن وجدت باعتبارها مواضع اجتهاد. وإذا اضطروا إلى الالتجاء إلى منهج المقارنة بين الصحابة، فعلوا ذلك للرد على الخصوم فحسب، لا لغرض آخر، وبرفق لا يلبث أن يقدم عنه الاعتذار، بل ويفضلون عدم الخوض في الخلافات التي نشبت بينهم. قال عمر بن عبد العزيز: (تلك دماء طهر الله منها يدي فلا أحب أن أخضب بها لساني)[106].

أما إذا اضطروا إلى ذكرها، فإن الدافع حينئذ هو أنه (إذا ظهر مبتدع يقدح فيهم بالباطل فلا بد من الذب عنهم وذكر ما يبطل حجته بعلم وعدل)[107]. وهنا يظهر المذهب الوسط لأهل السنة في أجلى صورة.

عثمان ونظرية خلع الإمام:
بعد أن انتهينا من إيضاح رد أهل السنة على الشبهات التي ألقيت على إمامة عثمان، ينبغي أن نتناول الموضوع من جانب آخر، لنرى إلى أي مدى يحق قتله وما هو موقف أهل السنة من خلعه، وهل يتفق الذي أقدم عليه الثائرون مع نظرية خلع الإمام؟ أول ما يلاحظ أن الوفود التي تأثرت بالفتنة عندما ذهبت إلى الخليفة الثالث تطلب طرد عامله على مصر ابن أبي سرح، رجعت من حيث أتت راضية مطمئنة. وهو ما يدل دلالة قاطعة على استجابة عثمان للرأي العام ورغبته في علاج أسباب الشكوى، فلم يتعنت مصرًا على موقفه، فاختار لهم محمد بن أبي بكر حسب اختيارهم. وقد رفض عثمان بإباء أن يدافع عن أحد ممن حوله وأمرهم جميعًا بأن يلقوا السلاح، كما رفض أن يترك دار هجرته وجوار الرسول صلوات الله عليه، فكان يضع نصب عينيه اتقاء شر الفتنة وما تجره على المسلمين، وتجمع أغلب المصادر على ذكر هذه الحقائق[108] مما دفع ببروكلمان إلى إقرار هذه الحقيقة فقال: (مما لا شك فيه أن الخليفة أنكر أنه علم بالرسالة التي أطلعوه عليها، ولكنه طولب بالتنازل عن الحكم. وقد رفض هذا التلميح بكرامة، وحوصر في بيته الذي تحرسه أقاربه وبعض العبيد والموالي)[109].

وقد ظهر تأثير التيارات الخارجية في الفتنة، إذ وجد أتباع ابن سبأ الفرصة سانحة لتأليب المسلمين على خليفتهم مدعين اغتصابه حق الخلافة من علي، ومن أهل السنة من يلقي التبعة على عبدالله بن سبأ وحده، ومنهم من علل الحركة بما يكنه الفرس من حنق وغيظ دفين على الإسلام. وسواء صح هذا الاحتمال أم ذاك، فالمصادر تشير إلى أصابع غريبة عن المعتقدات الإسلامية الخالصة التي كان يروج لها ابن سبأ. فقد نادى علي بن أبي طالب (أنت أنت) فجعله إلهًا، ونفاه علي بهذا السبب إلى المدائن. كما أنه أول من (أظهر القول بالنص بإمامة علي ومنه تشعبت أصناف الغلاة وزعموا أن عليًا حي لم يقتل وفيه الجزء الإلهي[110] وتمتد دائرة المؤامرة فتشمل من أسلم من الفرس تظاهرًا. يقول ابن حزم: (وكانت العرب أقل الأمم عند الفرس خطرًا فتعاظمهم الأمر وتضاعفت لديهم المصيبة وراموا كيد الإسلام بالمحاربة في أوقات شتى)[111]. وهكذا أظهر بعضهم الإسلام مستميلين أهل التشيع بإظهار محبتهم لآل البيت والطعن في الصحابة، ومنهم الخليفة الثالث.

ولا ينفي صحة وجود تيار غريب عن الإسلام. ما يراه فلهاوزن حيث يقول: (بيد أنه يلوح أن مذهب الشيعة الذي ينسب إلى عبد الله بن سبأ أن مؤسسه إنما يرجع إلى اليهود أقرب من أن يرجع إلى الإيرانيين)[112]. لأنه على أية حال أشار إلى عامل خارجي للفتنة لم ينبع من المسلمين الخلص، وقد عملت هذه التيارات للنيل من الفكر الإسلامي الخالص بما أغرقت به طائفة السبئية كتب التفسير والحديث سعيًا وراء هدم الإسلام (فاشتغلت به العقول بين رفض وقبول)[113]:
أما الصلة بين كل هذا وبين حق الثائرين في خلع عثمان، فقد بحثه المتكلمون بعناية، ونقصد متكلمي أهل السنة ومن اتبع نفس استدلالالتهم، وموضوع خلع الإمام من النظريات التي انفرد بها أهل السنة عن الشيعة لأن العصمة لا تستتبع الوقوع في الأخطاء والمعاصي وبالتالي لا ينتج عنها خلع الإمام. أما نظرية أهل السنة في الإمامة التي تضع ضمن أسسها أن الإمامة تتم عن طريق الاختيار، عندئذ يصبح خلع الإمام في الحالات التي توجب ذلك، موضع بحث ونظر وقد ناقش المتكلمون موضوع خلع عثمان، وهل فعل حقًا ما يستحق الخلع من أجله؟ ثم من هم أصحاب الحق في خلعه إذا صحت الشبهات؟

يرى الباقلاني أنه لم يصدر من عثمان ما يوجب القتل، ومن سعي في قتله هم أهل فتنة دون حجة يستندون إليها. فإنه مع ما ثبت عن عثمان من فضائل، فضلًا عن صحة إمامته وثبوت البيعة له، فإنه ينبغي الطاعة له وعدم الخروج عليه ومع هذا، فإن ثبت أنه فعل ما يستحق به الخلع، لم يكن مبيحًا لقتله على النحو الذي فعله قلته (لأنه لم يحم دارًا ويمتنع على المسلمين، ولا نصب الحرب بينه وبين من سار إليه)[114]، وكان لهم اختيار إحدى الطريقتين - إما القبض عليه وإبعاده عن المدينة، أو خلعه لو كان مستحقًا للخلع.

أما قتله دون أن يبدأهم بالحرب، فإنه لا محالة ظلم جائر، وخروج بقصد الفتنة.

وحتى لو استحق الخلع أو القتل، لما كان ينبغى أن يتم هذا أو ذاك بواسطة هؤلاء النفر الذين ساروا إليه لأنهم ليسوا من أهل الحل والعقد. ولا يحق للرعية إقامة الحد على أقل الناس قدرًا فكيف بقتل عثمان؟ وتم يكن إذًا الغرض من اجتماع الثائرين إلا (لأجل إمرة طلبوها، ولأجل غيظ منهم على أمرائه، ولأن بعضهم كل طفلًا في حجره، ولأن بعضهم حرمه بعض طلبه)[115] وكانت مصلحة المسلمين العليا بعيدة تمامًا عن أذهانهم.

وينقل لنا القاضى عبدالجبار رأى شيخه أبي علي وخلاصته أنه لو كانت المطاعن صحيحة لوجب أن يطلبوا رجلًا ينصب للإمامة، لأنه متى ظهر من الإمام ما يوجب خلعه ينبغي إقامة غيره (فلما علمنا أن طلبهم لاقامة الإمام كان بعد قتله، ولم يكن من قبل. والتمكن قائم، فذلك من أدل الدلالة في الجملة على بطلان ما أضافوه إليه من الأحداث)[116].

ولم يؤد الثائرون دور الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر كما يزعمون؛ لأن قتلهم لعثمان أدى إلى تفرق الأمة وإيقاد نار الفتنة، ولم يستحق عثمان أن يقتل وتحرق داره وينهب تراثه. حتى لو استحق القتل بأحد الأسباب الموجبة له، كالارتداد عن دينه أو الزنى بعد الإحصان. فلا شك أن قتله بهذه الصورة كان ظلمًا بينًا، وأن واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو مهمة أماثل من أهل الحل والعقد[117].

وإذا قال الخوارج أن هذه الأحداث وقعت في الست الأواخر من حكم عثمان، فإن الرد عليهم يتضمن أنه كان ينبغي الخلع منذ بداية ما حدث (وألا ينتظر حصول غيره من الأحداث، لأنه لو وجب انتظار ذلك لم ينته إلى حد وينتظر غيره. وذلك يؤدي إلى ألا يخلع أبدًا)-[118].

بقي بعد هذا أن نذكر صدى مقتل عثمان في قلوب المسلمين، فقد بكوه طويلًا، كما فعلوا حين قتل على بعده، ونظمت في رثائه القصائد، اخترنا منها ما قاله كعب بن مالك لأنه يلخص وجهة نظر أهل السنة، قال:
فكف يديه ثم أغلق بابه 
وأيقن أن الله ليس بغافل 
وقال لأهل الدار لا تقتلوهم 
عفا الله عن كل امرئ لم يقاتل 
فكيف رأيت الله صب عليهم 
عداوة والبغضاء بعد التواصل؟ 
وكيف رأيت الخير أدبر بعده 
عن الناس إدبار الرياح الجوافل؟[119] 

والحق أن مقتل عثمان هو أحد حادثتين بارزتين كان لهما التاثير البالغ في انفراط عقد الجماعة الإسلامية، إذ تعتبر حادثة اغتيال الخليفة الثالث ممهدة للحدث الجلل الثاني، وهو استشهاد علي بن أبي طالب.

وننتقل بعد هذا إلى عرض خلافة علي بن أبي طالب وما أحاط بها من أحداث إذ نرى لزامًا علينا توضيحها بشيء من التفصيل؛ لأنها كانت موضع بحث وعناية مفكري الإسلام، وترددت أصداؤها فيما بعد في أبحاث الفقهاء والمتكلمين وتناولتها كافة الفرق الإسلامية بالتحليل والتفنيد.


[1] الطبري، ج 5، ص 35.
[2] صحيح البخاري، ج 4، ص 171.
[3] صحيح البخاري، ج 4، ص 171.
[4] السيوطي، تاريخ الخلفاء، ص 154.
[5] الباقلاني، التمهيد، ص 208.
[6] المصدر السابق، ص 209.
[7] المصدر السابق، ص 209.
[8] الباقلاني، التمهيد، ص 209.
[9] الباقلاني: التمهيد، ص 210.
[10] نفس المصدر والصفحة.
[11] التمهيد، ص 210.
[12] نفس المصدر، ص 211.
[13] التمهيد، ص 211.
[14] التمهيد، ص 211، 212.
[15] التمهيد، ص 212.
[16] التمهيد، ص 212.
[17] القاضي عبد الجبار، المغني، ج 2، القسم الثاني، ص 3.
[18] المرجع السابق، ص 21.
[19] الأشعري، مقالات الإسلاميين، ج 1، ص 47.
[20] الشيخ محمد الصادق عرجون، الخليفة المفترى عليه، ص 101.
[21] الجاحظ، العلمانية، ص 184.
[22] فلهاوزن، الخوارج والشيعة، ص 27.
[23] المصدر السابق، ص 36.
[24] جولدتسيهر: العقيدة والشريعة، ص 169.
[25] مختصر الفرق بين الفرق للبغدادي، ص 66.
[26] المصدر السابق، ص 106، 107.
[27] نفس المصدر، ص 112.
[28] ابن تيمية، منهاج السنة، ج 3، ص 203.
[29] محب الدين الخطيب في تعليقه رقم (1) هامش ص 137، من كتاب العواصم من العواصم.
[30] كما ذكرها القاضي أبو بكر بن العربي (543هـ- 1148م) بكتابه (العواصم من القواصم) ص 61، 62.
[31] من الباقلاني، التمهيد، ص 246.
[32] القاضي عبد الجبار، المغني ج 2، القسم الثاني، ص 54.
[33] أبو بكر بن العربى، العواصم من القواصم، ص 61.
[34] ابن تيمية، منهاج السنة، ج 3، ص 192.
[35] محمد الصادق عرجون، الخليفة المفترى عليه، ص 152.
[36] التمهيد، ص 221.
[37] المغني، ج 2، قسم 2، ص 53.
[38] التمهيد، ص 221.
[39] منهاج السنة، ج 3، ص 162.
[40] العواصم من القواصم، ص 63.
[41] المرجع السابق، ص 61.
[42] التمهيد، ص 222.
[43] أبو بكر بن العربي، العواصم من القواصم، ص 69، 70.
[44] الطبري، جامع البيان في تفسير القرآن، ج 1، ص 21.
[45] العواصم، ص 71.
[46] التمهيد، ص 222.
[47] العواصم، ص 72، 73.
[48] التمهيد، ص 222.
[49] العواصم، ص 74.
[50] التمهيد، ص 3.
[51] المغني، ج 20، قسم 2، ص 55.
[52] ابن تيمية، منهاج السنة، ج 3، ص 198، 199.
[53] صادق عرجون، الخليفة المفترى عليه، ص 99، 100.
[54] العواصم، ص 77.
[55] التمهيد، ص 223.
[56] التمهيد، ص 223.
[57] العواصم من القواصم، ص 77.
[58] منهاج السنة، ج 3، ص 196.
[59] المصدر السابق، ص 197.
[60] التمهيد، ص 223، 224.
[61] العواصم، ص 78، 79.
[62] التمهيد، ص 224.
[63] العواصم، ص 80، 81.
[64] منهاج السنة، ج 3، ص 190.
[65] العواصم، هامش ص 84.
[66] منهاج السنة، ج 3، ص 189.
[67] العواصم من العواصم، ص 86.
[68] منهاج السنة، ج 3، ص 190.
[69] منهاج السنة، ج 3، ص 190.
[70] الخليفة المفترى عليه، ص 87، 90.
[71] العواصم، ص 90، 93.
[72] منهاج السنة، ج 3، ص 187.
[73] العواصم من القواصم، ص 100- 101.
[74] العواصم، ص 96.
[75] العواصم من العواصم، ص 102.
[76] الخليفة المفترى عليه، ص 97، 98.
[77] التمهيد، ص 26.
[78] العواصم، ص 103، والهامش.
[79] صحيح البخاري، التمهيد للباقلاني، العواصم من القواصم، منهاج السنة.
[80] التمهيد، ص 227.
[81] التمهيد، ص 226.
[82] التمهيد، ص 227.
[83] المغني، ج 20، قسم 2، ص 56.
[84] التمهيد، ص 224.
[85] منهاج السنة، ج 3، ص 200.
[86] منهاج السنة، ج 3، ص 200.
[87] منهاج السنة، ج 3، ص 201.
[88] منهاج السنة، ج 3، ص 202.
[89] العواصم من القواصم: هامش ص 156، لمحققه محب الدين الخطيب.
[90] العواصم من القواصم: ص 111.
[91] العواصم من القواصم: ص 125.
[92] التمهيد، ص 215.
[93] التمهيد، ص 214، 215.
[94] منهاج السنة، ج 3، ص 118.
[95] المقدمة، ص 216.
[96] المغني، ج 20، قسم 2، ص 51.
[97] منهاج السنة، ج 3، ص 161.
[98] منهاج السنة، ج 3، ص 191.
[99] منهاج السنة، ج 3، ص 204.
[100] ابن حزم، المفاضلة بين الصحابة، ص 263.
[101] السيوطي، تاريخ الخلفاء، ص 162.
[102] السيوطي: تاريخ الخلفاء، ص 157.
[103] الدكتور النشار: نشأة الفكر الفلسفي، ج 2.
[104] فلهاوزن، الخوارج والشيعة، ص 32.
[105] الدكتور النشار: نشاط الفكر، ج 2.
[106] منهاج السنة، ج 3، ص 112.
[107] منهاج السنة، ج 3، ص 112.
[108] منها الإمامة والسياسة المنسوب لابن قتيبة، ج 1، ص 36، 37، وتاريخ الخلفاء للسيوطي، ص 161.
[109] Histoire des Peupleset des Etats Islamique.
[110] الشهرستاني: ج 2، ص 115.
[111] الفصل: ج 2، ص 115.
[112] الخوارج والشيعة: ص 244.
[113] سعد حسن: المهدية في الإسلام، ص 92.
[114] التمهيد: ص 213.
[115] التمهيد، ص 214.
[116] المغني، ج 20، قسم 2، ص 41.
[117] التمهيد، ص 217.
[118] المغني، ج 20، قسم 2، ص 42.
[119] السيوطي، تاريخ الخلفاء، ص 164.

No comments:

Post a Comment